حوار مع السيد الصادق المهدي
طرابلس- الفندق الكبير الأربعاء 5/9/2001
في الوقت الذى تم فيه صدور العدد الأول من أركامانى (الإصدارة 003 من كوش الجديدة)، تصادف وجود السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة ورئيس الوزراء السابق المنتخب شرعياً، في طرابلس، فرأيناها فرصة سانحة لإجراء حوار مع سيادته وفق النهج الذى اختطته أركامانى في فتح الحوار الهادئ مع التيارات السودانية بمختلف مشاربها، هادفة من وراء ذلك استحداث تفاعل كيفي بينها وصولاً إلى تشكيل رؤية تمثل الحد الأدنى للخروج بالسودان من أزمته الراهنة.
ولقد راعينا لحظة إجراء الحوار الغوص في المكامن الفكرية التى يستند إليها الرجل، تاركين مهمة ملاحقة الأحداث اليومية اللاهثة للإخوة من الصحفيين المحترفين. فغاية أركامانى سبر أغوار عقل السيد الصادق حفراً وتنقيباً وكشف المسكوت عنه في الفكر السياسي والثقافي السوداني، وتهيئة الجميع للقبول بالمسلمات والثوابت الواقعية. كانت الحصيلة مجمل الأسئلة التى طرحها د. أسامة عبدالرحمن النور ود. محمد حسن باشا، على مدى ساعتين وما يزيد على السيد الصادق والذي تكرم بالإجابة عليها في حوار هادئ. نأمل أن يكون هذا الحوار مفيداً عند قراءة الساحة السياسية والفكرية في السودان. فإلى الحوار:
أركامانى: السيد الصادق المهدي، بوصفكم أحد صناع الأحداث السياسية في السودان منذ نهاية الستينات من القرن المنصرم، وبوصفكم رئيساً لمجلس الوزراء فيه أكثر من مرة، ورئيساً لأحد أحزاب السودان الرئيسة (حزب الأمة) يكون لهذا الحوار معكم مبرراته. لذا تبادر أركامانى بإجراء هذا الحوار بهدف توضيح رؤيتكم، إحساساً منا بأن الكثير من المتعلمين والمثقفين بدأوا في تأويل مواقفكم وتفسيرها بخاصة منذ عودتكم الأخيرة إلى السودان، بما رأينا أنه قد يكون في بعضه إجحافاً بحقكم أو احتكاماً للقول المأثور "قطعت جهينة قول كل خطيب". لذا قصدنا من هذا الحوار التوضيح لا التبرير…فالسودان به في الحقيقة منذ يونيو 1989 من المتغيرات والاصطفاف ما لا يدع لأحد حجة في تبرير وقوفه في صف دون الآخر، بل يحتاج إلى تجذير موقفه.
إن أركامانى من اسمها تستند إلى موقف واضح من القضايا الفكرية المطروحة على الساحة، فهي تأخذ اسمها، مجلة للآثار والأنثروبولوجيا السودانية، من ملك كوش القديمة- أركامانى- الذى قام في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد بأول عملية تغيير جذرية في المفاهيم السياسية لعصره، ليس في مملكته فحسب وإنما مقارنة بما كان عليه واقع الحال من حوله، تحدى أركامانى سلطة الكهنة والمعبد وقام بمحاصرة معبد آمون في نبتة بغية فصل سلطته الدينية عن السياسية. كانت مملكة كوش تعانى من ضعف شديد بفعل سيطرة رجالات الدين على الحياة السياسية في البلاد ومجرياتها، وفقدت كوش ليس فحسب الأمل في استعادة سيطرتها على مصر، وإنما أصبحت مهددة من الأخيرة بعد سيطرة الاسكندر المقدوني عليها، وهجر الكوشيون أراضيهم فيما بين الشلالين الأول والثاني هرباً من الخطر الداهم. حققت سياسة أركامانى بفصل الممارستين الدينية والسياسية نجاحاً فاستعادت كوش عافيتها لتقف نداً للبطالسة ولتعيد عمار النوبة السفلى الواقعة بين الشلالين الأول والثاني، بل وليسهم أركامانى في تشييد المعابد في كل من دكة وفيلة في عمل مشترك مع نظيره الإغريقي بطليموس الرابع. انعكست قوة الدولة الكوشية التى أرسى أسسها العقلانية أركامانى في قدرتها ليس فقط الدفاع عن كيانها أمام المد الإمبراطوري الرومان الجارف، بل في تهديدها المباشر للحدود الجنوبية الأقصى للإمبراطورية الرومانية التى أصبحت حينها سيدة العالم بلا منازع. هل يا ترى أن قدر السودان الحالي يتطلب منه العودة إلى ماضيه وتجاربه السابقة لتحقيق الأمل في بناء سودان موحد قوى أمة عظيمة واحدة للجميع ؟
من هنا سؤالنا الأول: بدأ السيد الصادق المهدي حياته السياسية بالدعوة إلى الفصل بين الممارستين الدينية والسياسية، شأنه شأن أركامانى، في محيطه العائلي والطائفي. لكنه في عام 1967 أخذ في تغيير خطابه ليتبنى الدعوة إلى نهج ديني إسلامي في الحكم. كيف تفسرون ذلك التحول ؟
السيد الصادق: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً أرحب بهذا المجهود الفكري الثقافي الذى تقوم به أركامانى وأقول إنني من أكثر الناس ترحيباً بالحيوية الفكرية التى اندفع بها كثير من السودانيين وكونوا مراكز ثقافية وفكرية عديدة نشيطة داخل السودان وخارج السودان. اللافت أنها في السودان تمثل نشاطاً فكرياً وثقافياً غير حكومي مثمر. في هذا الإطار أنا أرحب جداً بهذه المجلة وبسعيها في استجلاء الحقائق حول قضايا أساسية.
أبدأ بأن أقول أن أية محاولة للكلام عن ماضي يلقى بظله على الحاضر شئ مستحيل. فمنذ زمان أركامانى إلى عهدنا الحالي شهدت الإنسانية أشياء جديدة جداً ومختلفة جداً. فمفهوم الدولة، مثلاً، لم يعد مفهوماً فيه ذلك النوع من أُحادية السلطة.. الدولة الآن شعب وسلطات وأجهزة ومؤسسات منفصلة بعضها عن بعض ولا يوجد، مثلما كان في الماضي، ذلك المفهوم الهرمي للسلطة أو للدولة. الدولة الآن، كما قلنا، شئ مختلف عنه في أي فترة كانت. ثانياً: الدين لم يعد هو ذلك الدين بمفهوم محلى، المسيحية دين عالمي وعندها مؤسسات عالمية، وتؤثر عبر هذه المؤسسات العالميَّة على السياسة والدولة في كل مكان. الإسلام دين عالمي. شئ بديهي عندما نتحدث عن الدين الآن مع وجود أديان عالمية مثل الإسلام والمسيحية، فإننا نتحدث عن شئ مختلف عما كان عليه الأمر في أي زمان من الماضي. هناك أيضاً الآن وعى أكبر بقضية الدين. مثلاً الأديان التقليدية المحلية في أفريقيا، هذه الأديان مهما قيل عنها لها وجود حقيقي في نفسيات وثقافات معتنقيها.
لقد جاءت الأنثروبولوجيا الحديثة والسوسيولوجيا الحديثة وكل هذه العلوم بوعي بدور الثقافة أكبر بكثير عنه في أي فترة سابقة. إن كتاب "تراثنا البشرى الخلاق" الذى أصدرته اليونسكو كمفهوم لدراسة آثار الثقافات الإنسانية على البشر يشدد على أهمية السلوك البشرى والمجتمعات لدرجة أن هذا التقرير الصادر في عام 1996، على ما اذكر، دعي إلى عد الحق الثقافي جزءاً لا يتجزأ من حق الإنسان كآخر حلقة من حلقات حقوق الإنسان.
إنني عندما دعوت في بداية عملي السياسي إلى التجديد والإصلاح في حزب الأمة تحدثت في حقيقة الأمر عن الصراع الذى دار والمنطلق من ضرورة أن تكون السلطة السياسية مساءلة، والصراع الذى دار كان حول أن الهيئة البرلمانية هي التى ينبغي أن تقوم بانتخاب ومحاسبة السلطة السياسية، وهى التى ينبغي أن تقوم باختيار المرشحين للانتخابات البرلمانية. في ذلك الوقت كان مثل هذا الكلام كلاماً ثورياً وصادف، في رأى، ظروف ثورة أكتوبر التى أعتقد، شخصياً، بأنها كانت فرصة لانتقال النفوذ السياسي من جيل إلى جيل، من جيل الرواد إلى جيل آخر. تمثل ثورة أكتوبر، في رأى، هذه النقلة من جيل إلى جيل ومن مفاهيم إلى مفاهيم. ففي ذلك الوقت كان عطاء حزب الأمة وإسهامه في هذا التغيير. لا شك لدىَّ أنه كان هناك صراع سياسي وفكري نشأ في السودان وأثَّر على مجمل الخطاب السياسي. هذا هو ما أدى إلى بروز المفاهيم التى سألت عنها المتعلقة بالتوجه الإسلامي… كيف ؟
إنني كنت ولا زلت أعتقد أن الشيوعية أتت إلى السودان بمدرسة نوعية مهمة جداً، وساعدت في الاستنارة السياسية في السودان بدرجة عالية جداً. لكنني كنت ولا زلت أقول أنها ربطت نفسها بمفاهيم أيديولوجية تختلف تماماً عن البيئة التى تخاطبها، ولذلك سارعت إلى ربط التطور بأيدولوجيا غير مناسبة للبيئة التى تخاطبها وسيَّست التطور في اتجاه هذه الأيديولوجيا… نهضة المرأة شئ مطلوب جداً بحسبان ذلك شيئاً من التحديث، ولكن ربط المرأة بالتحول الشيوعي أو التراث الشيوعي كان خطأ كبيراً، وهكذا بالنسبة للشباب وبالنسبة للعمال وبالنسبة للمزارعين. كان هذا وارد كتطوير ولكن لم يكن من المصلحة أن يرتبط بأيدولوجيا غريبة على المجتمع. هذه الأيديولوجيا الغريبة على المجتمع خلقت، في رأى، مخاوف على هُويَّة هذا المجتمع مما شكل نافذة نفذ منها التيار الإسلامي الحديث. التيار الإسلامي الحديث كان ردة فعل على هذا الفكر الغريب، ولكنه كردة فعل صاغ موقفه هذا بصورة خلقت له وجود سياسي. هاهنا وجدت القوى السياسية السودانية كلها (!) نفسها أمام ضرورة تحديد موقفها من هذا الصراع بين أيديولوجيا وافدة شيوعية وأيديولوجيا إسلامية حديثة هي أيضاً وافدة، لكن الثانية كانت رد فعل على الأولى. أوجب هذا ضرورة أن يبرز المسكوت عنه، بمعنى نحن كتيار سوداني عندنا قاعدة دينية قوية وكان دور الدين في السياسة مسكوت عنه لا تعبير بارز explicit عنه. أوجب هذا الصراع أن يكون هناك تعبير بارز عن هذا الذى هو موجود في الواقع ومسكوت عنه. وهذا الذى هو موجود في الواقع السوداني مهم جداً في رأى لأن المهدية في السودان شكلت وجداناً دينياً لم يستطع حتى الإنجليز التحرر منه، الإنجليز أنفسهم كانوا مراعين جداً لمشاعر السودانيين الدينية خوفاً من انتفاضة مهدوية. ولذلك عندما نشأت الأحزاب السياسية في السودان نشأت وفيها كلها (!) تركيبة دينية مسكوت عنها. عندما نشأ هذا الاستقطاب في الحلبة السياسية الفكرية السودانية بدأ هذا المسكوت عنه يظهر. نحن في هذا الظهور عبرنا عن توجهنا الإسلامي كانعكاس لهذه الحالة. أنا أعتقد أننا في الحركة الفكرية والسياسية السودانية نشأنا وظاهر تماماً أننا منطلقين من منطلقات إسلامية دينية وعربية ثقافية. ينطبق هذا على كل القوى السياسية الشمالية (!). يزيد من هذه المسألة حقيقة أن الاستعمار كان قد ربط سياسته بتنصير كل القوى السودانية غير الإسلامية وغير العربية وأفرقتها، وتعامل مع المسيحية والأفرقة كأنهما أساسان مضادان للعروبة والإسلام بصورة جسدتها سياسة المناطق المقفولة. ولذلك عندما تناول المثقفون الخريجون السودانيون هذه الحقيقة تناولوها ليس بصفة تبيُّن الحقائق فقط ولكن بصفة ردة فعل على سياسة المستعمر. صاغ هذا موقفاً في مذكرة الخريجين عام 1942 أنهم يتطلعون لنقض هذه السياسة ونتائجها. كذلك عندما جاءت السلطة لهؤلاء القادة السياسيين كانوا يرون أنَّ واجبهم نقض هذه السياسة بحسبانها سياسة الاستعمار دون الأخذ في الحسبان أن هناك حقائق، صحيح أن الاستعمار استغلها، لكن هناك حقائق التباين الثقافي والتباين الديني. كذلك نحن من منطلقات تفعيل العامل الديني الكامن في تكويننا ومن منطلقات الوعي الوطني المضاد للاستعمار، في رأى، تعاملنا مع هذا الموضوع بصورة لم تعط الوجود الآخر أية قيمة. أدى هذا إلى أن القوى السياسية والفكرية كلها (!) في السودان سواء من المنطلق الديني أو المنطلق الوطني في الحقيقة همشت وأسقطت دور الهويات الأخرى. كان هذا ضمن عوامل أخرى أكثر عامل غذى التمرد والمقاومة المسلحة وبررها لدى الناس الذين حملوا السلاح.
بالنسبة لنا المنطلقات التى انطلقنا منها والتي، في رأى، كانت مفهومة في الستينات وفق الخلفيَّة التى قدمتها، طورت الجبهة القومية الإسلامية تلك المنطلقات إلى أعلى درجة ممكنة إلى الحد الذى أدى، في رأى، إلى أقصى درجة رد فعل في الاتجاه الآخر. خلق هذا الاستقطاب الذى صحب نظام الإنقاذ والذي أبرز لنا عدم منطقية الموقف الأصلي لأن الجبهة لم تأت بموقفها هذا من فراغ … أتت به في الواقع تطويراً للموقف من الهُويَّة العربية في السودان بوصفها السيادة النهائية end-power. كل ما نقوله هو بدلاً عن أن يكون الحد المقيد بالواقع طوروه إلى حد خيالي. شكل هذا بالنسبة لنا صدمة، وللآخرين غير المسلمين وغير العرب شكل كارثة. في ظل هذا وجدنا أنفسنا أمام الجهات المتظلمة من هذا الموضوع. نحن متظلمين إلى حد لكن هم متظلمون أكثر… وجدنا أنفسنا نبحث معاً هذه القضية، لذلك أريد أن أقول أن التوجه الحالي أصبح مرحلة ثالثة، في مرحلة أولى جاءت، كما قلنا، في الأول، ومرحلة ثانية، والآن هذه المرحلة الثالثة.
نحن كحزب أكثر جهة، احتمالا، ناقشت هذا الموضوع بصورة مفصلة، بمعنى أننا ناقشنا في داخل السودان أيام النظام الديمقراطي ماذا يعنى هذا الاستقطاب إذا ترك له المجال فسوف يؤدى حتماً إلى تمزيق السودان لأنه فرض على السودان هًويَّة ضيقة جداً لا تستوعب الجميع، لذلك أنا كتبت لإخوتنا في الخارج بناءً على هذا مذكرة قلت فيها ما معناه أن ضرورة عاجلة تستوجب وضع أسس للسلام العادل في السودان، وأننا يجب أن نسلم، نعم، بالتباين الديني والثقافي في السودان، ونسلم بضرورة الحرية الدينية للمسلم وغير المسلم، لكن يجب أن نعمل هذا على أساس احترام حقوق المواطنة لأنه يجب علينا أن نتخذ من حقوق المواطنة أساس من عهد تتعاهد بموجبه الأديان والثقافات والاثنيات، على أن هذا عهد يجمع بيننا جميعاً "عقد اجتماعيsocial contract " في حد عهد المواطنة وفي إطار احترام هذا العهد (حد عهد المواطنة) نعترف بالحرية الدينية والحقوق الدينية والحقوق الثقافية. كتبنا لهم، إذن، نحن محتاجون في هذه المرحلة أن نتفق على وثيقة لحقوق الإنسان السوداني sudanese bill of rights تصبح هي الأساس الذى نحترمه كلنا على اختلاف أدياننا وتلتزم الأديان المختلفة بأنه مهما كان التطبيق لأحكامها يجب ألا يتعدى على حقوق المواطنة. وقد اكتمل ذلك في مؤتمر نيروبي في أبريل 1993. وجاء يوم قبلت فيه جميع الأطراف بذلك لكنهم فقط قالوا بدلاً عن أن نعمل وثيقة لحقوق الإنسان السوداني وهو ما لا نملك صلاحية فعله فلنأخذ حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية… ونحن قبلنا هذا على اعتبار أننا مرتبطون بها أصلاً بوصفها من المسلمات المضاف إليها وثيقة حقوق الإنسان السودانيَّة فنعتبر أننا عملنا على أساس عهد مشترك بيننا وبينهم تكون المواطنة أساس التعامل معهم وأننا كمسلمين يكون مفهوم العهد قائم، ولذلك نقول أن هؤلاء الناس بيننا وبينهم عهد والعهد لا نحدد شروطه نحن، الشروط تحدد بطريقة مشتركة ذلك أن العهد أصلاً هو في الحقيقة شريعة الموقعين عليه. إذن نحن ننقل المفهوم في وقت لم يكن فيه الفكر الديني الإسلامي يتقبل فيه مثل هذا الطرح، ولذلك دخلنا في نقاش فقهي أساسي جداً. هناك من السودانيين من أسقط حقيقة الدين باعتبار أن لا وجود له في الحياة العامة وبالتالي لا يرون أهمية مناقشة القضايا الدينية. هناك فرق بين الناس الذين أصلاً همشوا الدين من الحياة العامة وبين الناس الملتزمين بالدين ومستعدين يجتهدوا في قبول التطور السياسي والتطور الديني… نشأ نقاش كبير جداً جداً. أنا أعتقد الآن أن الحجج التى استخدمناها صارت مقبولة للقواعد الأوسع من المفكرين الإسلاميين. الحجج كانت أننا نتعامل مع غير المسلم في المجتمع المسلم، هذا الغير مسلم ما هو تصنيفه ؟ هم كلامهم أننا نعترف به كأهل ذمة لأنه في ذمتنا نحن المسلمين، ولذلك نعطيه حقه كما هو حق أهل الذمة. نحن قلنا أن هذا القول ينطلق من فرضية أننا فتحناهم وأقمنا الدولة عليهم. نحن نعتقد في خطأ هذا الافتراض. الناس هؤلاء غير المسلمين الذين يعيشون معنا عندهم الحقوق نفسها والواجبات مثلهم مثل الموجودين بالصفة نفسها، لذلك لا نتعامل معهم على أنهم في ذمتنا، وإنما عهد بيننا وبينهم. بالنسبة لنا نحن كمسلمين مفهوم العهد قائم ويحدد بطريقة مشتركة. أغلبية الناس كانوا يخطئوننا لكننا نجحنا في تحويل جزء كبير من الرأي الإسلامي لتقبل المواطنة كأساس، بل وأعطينا بعداً لقبول الشرعيَّة الدولية وحق المواطنة والنظام الدولي.
هنا جاء الكلام عن ثم ماذا بعد ؟
كتبت في عام 1994 مذكرة ثانية تشير إلى أنه لا بدَّ من الاعتراف بأن قضية الدين والسياسة تحتاج إلى إجلاء. لا نحبذ الكلام عن مفاهيم فضفاضة، فلنتحدث عن الدولة من حيث الصلاحيات المركزية بدلاً عن مسميات مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية، نتحدث عن التداول السلمي للسلطة بحيث يكون مكفولاً لكافة التنظيمات ومفتوحاً لكل المواطنين، وألا تنال أية مجموعة إمتيازات بسبب الانتماء الديني. فلنبدأ كتابة الواقع ومن ثم يختار الناس من التسميات ما يرونه. على هذا الأساس كتبنا مقررات أسمرا… تمثل مقررات أسمرا مرحلة متطورة. نحن مع ما حدث من خلاف داخل التجمع أعلنا أننا، مع اختلافنا مع التجمع حول قضايا معي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |